الشيخ محمد رشيد رضا
417
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
* * * ( 46 ) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ ؟ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ( 47 ) قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ ( 48 ) وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ، فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 49 ) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ * * * إن القول في مناسبة هذه الآيات لما قبلها كالقول فيما قبلها سواء ، فهي ضرب من ضروب الدعوة إلى التوحيد والرسالة بوجه آخر من وجوه الاحتجاج ، قال تعالى قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ أي قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين المكذبين بك وبما جئت من التوحيد والهدى أرأيتم ما ذا يكون من شأنكم مع آلهتكم الذين تدعونهم راجين شفاعتهم ان أصمكم اللّه تعالى فذهب بسمعكم ، وأعماكم فذهب بأبصاركم ، وختم على قلوبكم وألبابكم ، التي هي مراكز الفهم والشعور والعقل من أنفسكم ، فأصبحتم لا تسمعون قولا ، ولا تبصرون طريقا ، ولا تعقلون نفعا ولا ضرا ، ولا تدركون حقا ولا باطلا ، - من إله غير اللّه يأتيكم بذلك ، أو بما ذكر مما أخذ اللّه منكم ؟ أي لا اله غيره فيقدر على إتيانكم به ، ولو كان ما اتخذتم من دونه من الأنداد والأولياء آلهة لقدروا على ذلك ، وإذ كنتم تعلمون انهم لا يقدرون فلماذا تدعونهم والدعاء عبادة لا يكون الا للإله القدير ؟ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ أي انظر كيف ننوع الحجج والبينات الكثيرة ونجعلها على وجوه شتى ليتذكروا ويقتنعوا ، فينيبوا ويرجعوا ، ثم هم يعرضون عنها ، ويتجنبون التأمل فيها ، يقال صدف عن الشيء صدفا وصدوفا إذا أعرض اعراضا شديدا ، قيل إنه مأخوذ من صدفة الجبل أي جانبه ومنقطعة . والعطف بثم يفيد الاستبعاد لأن تصريف الآيات والدلائل « تفسير القرآن الحكيم » « 53 » « الجزء السابع »